فخر الدين الرازي
153
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : أما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش ، فهذه الآية لا تدل عليه ، ومنهم من استدل عليه بأول سورة والنجم ، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى : * ( لتركبن طبقاً عن طبق ) * ( الانشقاق : 19 ) وتفسيرهما مذكور في موضعه ، وأما دلالة الحديث فكما سلف والله أعلم . * ( وَءَاتَيْنَآ مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الكلام في الآية التي قبل هذه الآية ، وفيها انتقل من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ، لأن قوله : * ( سبحان الذي أسرى ) * فيه ذكر الله على سبيل الغيبة وقوله : * ( باركنا حوله لنريه من آياتنا ) * فيه ثلاثة ألفاظ دالة على الحضور وقوله : * ( إنه هو السميع البصير ) * يدل على الغيبة وقوله : * ( وآتينا موسى الكتاب ) * الخ يدل على الحضور وانتقال الكلام من الغيبة إلى الحضور وبالعكس يسمى صنعة الالتفات . المسألة الثانية : ذكر الله تعالى في الآية الأولى إكرامه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن أسرى به ، وذكر في هذه الآية أنه أكرم موسى عليه الصلاة والسلام قبله بالكتاب الذي آتاه فقال : * ( وآتينا موسى الكتاب ) * يعني التوراة : * ( وجعلناه هدى ) * أي يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق وقوه : * ( ألا تتخذوا من دوني وكيلاً ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : قرأ أبو عمرو : * ( ألا تتخذوا ) * بالياء خبراً عن بني إسرائيل والباقون بالتاء على الخطاب ، أي قلنا لهم لا تتخذوا . البحث الثاني : قال أبو علي الفارسي : إن قوله : * ( ألا تتخذوا ) * فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون ( أن ) ناصبة للفعل فيكون المعنى : وجعلناه هدى لئلا تتخذوا . وثانيها : أن تكون ( أن ) بمعنى أي التي للتفسير وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قراءة العامة كما انصرف منها إلى الخطاب . والأمر في قوله : * ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا ) * ( ص : 6 ) فكذلك انصرف من الغيبة إلى النهي في قوله : * ( ألا تتخذوا ) * . وثالثها : أن تكون ( أن ) زائدة ويجعل تتخذوا على القول المضمر والتقدير : وجعلناه هدى لبني إسرائيل فقلنا لا تتخذوا من دوني وكيلاً .